الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
19
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به ، وفيه مع الحال الّتي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطّلع فجّها إنسان ، ولا يعرف ما أقول إلّا من ضرب في هذه الصناعة بحقّ ، وجرى فيها على عرق ، وما يعقلها إلّا العالمون ( 1 ) . وقال في قوله عليه السّلام : « فإنّ الغاية أمامكم . . . » : إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه ، وبعد كلام رسوله صلّى اللّه عليه وآله بكلّ كلام لمال به راجحا ، وبرّز عليه سابقا . فأمّا قوله عليه السّلام : « تخفّفوا تلحقوا » فما سمع كلام أقلّ منه مسموعا ولا أكثر محصولا ، وما أبعد غورها من كلمة وأنقع نطفتها من حكمة ( 2 ) . وقال في الخطبة ( 28 ) : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزّهد في الدنيا ويضطرّ إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتّعاظ ، والازدجار ( 3 ) . وقال في الخطبة ( 80 ) : إذا تأمّل المتأمّل قوله عليه السّلام : « من أبصر بها بصرتّه » وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ، ولا يدرك غوره ، ولا سيّما إذا قرن إليه قوله عليه السّلام : « ومن أبصر إليها أعمته » فإنهّ يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحا نيّرا وعجيبا باهرا ( 4 ) . وقال في قوله عليه السّلام : « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل . . . » : لو لم يكن في هذا الكتاب إلّا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة وحكمة بالغة ، وبصيرة
--> ( 1 ) نهج البلاغة 1 : 48 ، الخطبة ( 16 ) . ( 2 ) نهج البلاغة 1 : 58 ، الخطبة ( 21 ) . قال الشريف في خصائص الأئمة : 87 بعد نقل قوله عليه السّلام : « تخفّفوا تلحقوا » : ما أقلّ هذه الكلمة وأكثر نفعها وأعظم قدرها وأبعد غورها وأسطع نورها . ( 3 ) نهج البلاغة 1 : 72 . ( 4 ) نهج البلاغة 1 : 131 .